الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
111
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
وهنا يزول ما التبس على البعض من أن مذاقات الصوفية في القرآن الكريم نزعة باطنية فبينهم وبينها آماد وأبعاد ، بل إنهم لبريئون منها ، ولينكرونها كل الإنكار ، وواضح ذلك من أنهم يأخذون بالباطن بعد الأخذ بالظاهر ، ويقرون الحقيقة بعد الأخذ بالشريعة . ويرون أن الحقيقة نفسها أساسها الشريعة ، فالفرق ثمة كبير ، والبون شاسع وعظيم . ولا مجال بعد هذا الإيضاح لإنكار من ينكر على الصوفية مذهبهم في الإشارات وما يختصهم الله به في كلامه وكلام رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم من الأسرار والفيوضات . على أن تلك الإشارات أمر مشروع أقره الحديث المذكور آنفاً : لكل آية ظاهر وباطن وحد ومطلع ، فأربابها متبعون لا مبتدعون اختصهم الله بأسراره في آياته ليكونوا مصابيح الهدى في غسق الدجى كما أقره عمد الدين ، وذوو العلم من المؤلفين : قال سعد الدين [ التفتازاني ] في شرح العقائد النسفية : « وأما ما يذهب إليه بعض المحققين من أن النصوص على ظواهرها ومع ذلك فهي إشارات خفية إلى حقائق تنكشف لأرباب السلوك يمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة فهو من كمال الإيمان ومحض العرفان » وقال الشيخ زروق رضي الله تعالى عنه : « نَظَرُ الصوفي أخص من نظر المفسر وصاحب فقه الحديث » ، لأن كلًا منهما يعتبر الحكم والمعنى ليس إلا وهو يزيد بطلب الإشارة بعد إثبات ما أثبتناه . فإذا دار المفسرون في حدود اللفظ القرآني ، واستنبط منه الفقهاء ما استنبطوا من أحكام فلأولي الألباب وذوي البصائر فيه بعد ذلك من الأسرار والحقائق ما لا ينكشف لسواهم ولا يدركه غيرهم . وذلك لتجدد واردات الحق عليهم ، ودوام تن - زل الفيوضات على قلوبهم لأنهم أهله ومحبوه . ثم إن فيض الله المتجدد في كلامه لهم لمما يزيد في كمال إعجاز القرآن ويؤكد أن إعجازه أسمى من أن يكون في فصاحة لفظه وقوة أسره وبلاغة أسلوبه ، وإنما إعجازه فوق ذلك في أسراره ومعانيه ومراده ومراميه . وأهل الله أولى الناس بتفهم مراده ومعرفة مرامي كلامه ومن ثم كان ما ينكشف لهم في كلام الله من أسرار بمثابة إشارات لهم - وحدهم ، لأن .